السيد محمد الصدر

292

فقه الأخلاق

الوجه الثالث : إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً لكان من حب الذات والأنانية ، مهما كان مهماً وعظيماً . إلَّا أننا ذكرنا أن التكامل لا متناهي الدرجات . وبذل النفس للتعب المتواصل اللامتناهي لا يمكن أن يكون من حب النفس ، لأن النفس تحت الاستقرار والراحة وتكره التعب المستمر ، ولو في سبيل الوصول إلى الأفضل . الوجه الرابع : إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً - كما قلنا - . لكان استهدافه من الأنانية ، إلّا أنه غير محدود . بمعنى أن مقصود الفرد هو الوصول إلى الحق المطلق والنور الإلهي الشامل واللامتناهي . لا يريد بذلك جزاءً ولا شكوراً . ومن هنا ورد في الحكمة : إن الآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا حرام على أهل الآخرة . والدنيا والآخرة حرام على أهل الله . وإذا شعر الفرد بحرمة الدنيا والآخرة عليه ، إذن فهو لا يحتمل أنه أطاع نفسه أو أنه تجنب رضا ربه . الوجه الخامس : أن الفرد لو كان سالكاً مسلك التكامل لأجل أنانيته وحب ذاته لكان ملعوناً ومغبوناً ، وكذلك لو سلكه لأجل الشهرة به أو الحصول على بعض المغانم . وإنما أريد التكامل لنفسي لأن الله سبحانه يريده لي . كما قال الله تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وقوله : وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ . وإذا سرت في الطريق الذي يريده الله تعالى لي ، فلا يحتمل أن أكون قد اتبعت أنانيتي ورغباتي . فحسبي أن أقول لربي : إني قد جئتك لأنك تريدني لا لأني أريدك . فلئن كان في إرادتي له - مهما كانت حقاً - نوعاً من الأنانية . فليس من إرادته لي وطاعتي له من هذه الناحية أية شائبة .